ابن حزم

492

الاحكام

من جهل ، ولا اختلاف من اختلف فيه . وقال آخرون : المتشابه هو ما تقابلت فيه الأدلة . قال أبو محمد : وهذا خطأ فاحش ، لأنه دعوى من قائله بلا برهان ، ورأي فاسد ، ولأن تقابل الأدلة باطل ، وشئ معدوم لا يمكن وجوده أبدا في الشريعة ، ولا في شئ من الأشياء ، والحق لا يتعارض أبدا . وإنما أتى من أتى في ذلك لجهله بيان الحق ، ولاشكال تمييز البرهان عليه مما ليس ببرهان ، وليس جهل من جهل في إبطال الحق . ودليل الحق ثابت لا معارض له أصلا . وقد بينا وجوه البراهين في كتابنا التقريب وكتابنا الموسوم بالفصل ، وفي كتابنا هذا ولا سبيل إلى أن يأمرنا تعالى بطلب أدلة قد ساوى فيها بين الحق والباطل ، ومن نسب هذا إلى الله تعالى فقد ألحد ، وأكذبه ربه تعالى إذ يقول : * ( تبيانا لكل شئ ) * وإذ يقول تعالى : * ( قد تبين الرشد من الغي ) * وبقوله تعالى : * ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) * فصح أن متشابه الاحكام الذي ذكر صلى الله عليه وسلم أنها لا يعلمها كثير من الناس مبينة بالقرآن والسنة ، يعلمها من وفقه الله تعالى لفهمه من الفقهاء الذين أمر عز وجل بسؤالهم إذ يقول تعالى : * ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) * . وقد قال قوم إن قوله تعالى : * ( والراسخون في العلم ) * معطوف على الله عز وجل . قال أبو محمد : وهذا غلط فاحش ، وإنما هو ابتداء وخبره في : * ( يقولون ) * والواو لعطف جملة على جملة . وبرهان ذلك أن الله حرم تتبع ذلك المتشابه ، وأخبر أن متبعه وطالب تأويله زائغ القلب مبتغي فتنة ، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم ممن اتبعه ، ولا سبيل إلى علم معنى شئ دون تتبعه وطلب معناه ، فإذا كان التتبع حراما فالسبيل إلى علمه مسدود ، وإذا كانت مسدودة فلا سبيل إلى علمه أصلا ، فصح أن الراسخين لا يعلمونه أبدا ، وأيضا فإن فرضا على العلماء بيان ما علموا الناس كلهم يقول الله تعالى : * ( لبينه للناس ولا يكتمونه ) * وبقوله عز وجل : * ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) * . قال أبو محمد : فلو علمه الراسخون في العلم ، لكان فرضا عليهم أن يبينوه للناس